يعتبر مرض التوحد واحد من الأمراض النفسية الشهيرة التي تصيب الأطفال، وإن لم يكن أشهرها علي الإطلاق.
ولا تزال الجهود المبذولة لمكافحة ومحاربة مرض التوحد محدودة، علي الرغم من الألم النفسي الذي يصيب الأطفال وذويهم من الذين ابتلاهم الله بهذا المرض.
وعلى الرغم من حداثة لفظ التوحد، فإن بداية معرفة المرض كانت في الأربعينات من القرن الماضي، وتحديدا في عام 1943، على يد طبيب نفسي نمساوي هو الطبيب ليوكانر Leo Kanner، الذي استخدم لفظ التوحد بمعناه الحالي.. وهو كلمة مشتقة من اللفظ اليوناني «autos» أو ذاتي، وتعني التمحور حول الذات.
ويعتبر المرض خلل في التطور العصبي للجهاز العصبي المركزي يتميز بفشل في التفاعل الاجتماعي والتواصل مع الآخرين، مع سلوك نمطي متكرر وثابت وصعوبة بالغة في ممارسة النشاطات اللغوية والحسية. وتبدأ المشكلة في الظهور مع الطفل في مراحل مبكرة من حياته، من بداية السنة الأولى وقبل أن يكمل عامه الثالث.
والذي يزيد من صعوبة معالجة التوحد حقيقة أنه مرض غير محدد بعرق معين أو حالة اجتماعية معينة. ويشير البعض إلى أن النسب المتزايدة للمرض في الفترة الأخيرة قد تعود لزيادة التشخيص والوعي بمثل هذه الحالات.
أهم النظريات التي تفسر مرض التوحد هي نظرية الخلل في عدد من الجينات، الذي ينتج عنه خلل بوظيفة الموصلات الكيميائية في الجهاز العصبي المركزي، مما يتسبب في تكون غير طبيعي للدماغ والأعصاب. وهذه النظرية هي الأكثر رواجا وقبولا، خاصة أن احتمالية الإصابة بالتوحد تكون أكبر في الأسرة التي يوجد بها طفل آخر مصاب بالمرض. وهذه النظرية تقضي تماما على نظرية سوء معاملة الوالدين للطفل أو الفتور في التعامل معه، وهو الإعتقاد الخاطىء الذي كان يؤنب ضمير ذوي الأطفال المصابين بالتوحد، لكن ثبت بالدراسات أن نسبة الإصابة واحدة سواء كانت معاملة الأهل للطفل جيدة أو غير جيدة.
وهناك نظريات أقل شيوعا لأسباب التوحد، مثل ارتباطه بأنواع معينة من الغذاء، وخاصة المشتقة من اللبن أو القمح، والغنية بمادة الغلوتين Gluten البروتينية. وكذلك تعرض الأم لعوامل ضارة (مثل الإشعاع) في بداية شهور الحمل الأولى، أو الإصابة ببعض الأمراض المعدية التي تسبب تشوها خلقيا للجنين.
ولملاحظة علامات التوحد التي تظهر علي الطفل يمكن ملاحظة أحد هذه السلوكيات أو كلها علي الطفل:
- خلل في التواصل الاجتماعي مع من حوله.
- عدم التجاوب العاطفي مع الابتسام أو محاولة العناق أو المداعبة.
- تأخر تطور الكلام وعدم النطق بالشكل السليم وصعوبة في التعبير عن النفس.
- التصرفات النمطية المكررة، كهز الرأس أو اليدين باستمرار.
- عدم الرغبة في التغيير، كأن يلعب الطفل بلعبة واحدة دون غيرها وبنفس الطريقة والنمطية. مع إبدائه لمقاومة عند محاولة تغييرها، مما يجعله عدوانيا ضد محاولة تغيير أي شيء اعتاده مهما كان بسيطا، مثل تغيير طبق الأكل.
لكن هل يمكن اعتبار مرض التوحد مرض بدون علاج؟ الحقيقة لا.
فمرض التوحد يمكن علاجه دوائيا باستخدام فيتامين بي 6 B6، الذي يساعد على تكوين الموصلات العصبية، قد يفيد أطفال التوحد.
كما يشمل العلاج أيضا العقاقير المثبطة لإعادة السيروتونين في الدم «Serotonin Re - uptake Inhibitor»، حيث وجد أن نسبة السيروتونين تكون مرتفعة في الدم لدى بعض أطفال التوحد، وإن كانت نتائج هذه العقاقير غير مؤكدة.
وهناك العلاج بالعقاقير المهدئة والمضادة للتشنجات «Anti - Convulsants»، والتي يعيبها كثرة آثارها الجانبية على الجهاز العصبي عند استخدامها على المدى الطويل، ولم يثبت فاعليتها.
ويبقى في النهاية العلاج الأهم لطفل التوحد، وهو التفهم لطبيعة اختلافه عن الآخرين، مع محاولة دمجه في المجتمع وعدم عزله عن الأطفال الطبيعيين، وذلك لضرورة وجوده في وسط طبيعي يكون له بمثابة النموذج الذي يحتذي به في مجالات كاللغة والسلوك الاجتماعي.